مشاركة مسارات في أسبوع ومعرض التقنية المالية FinTech Week & Expo 2026
من فرانكفورت، إحدى أهم المراكز المالية في أوروبا، تتجه الأنظار هذه الأيام إلى مجموعة من التحولات التي ستحدد ملامح المرحلة المقبلة في القطاع المالي، مع انعقاد النسخة الخامسة من أسبوع ومعرض التقنية المالية FinTech Week & Expo 2026 يومي 7 و8 أكتوبر، بمشاركة واسعة من المؤسسات المالية وشركات التكنولوجيا ورواد الأعمال والخبراء الدوليين.
وتشارك مسارات لتقنية المعلومات والخدمات المالية في هذا الحدث، بحضور السيد محمد الحولة، نائب المدير العام، في إطار توجه الشركة نحو متابعة التطورات العالمية في التقنية المالية، والاطلاع المباشر على التجارب والحلول التي تعيد تعريف الخدمات المالية في الأسواق المتقدمة.
من الرقمنة إلى الذكاء الاصطناعي
اللافت في النقاشات التي تفرض نفسها على قطاع التقنية المالية اليوم أن التحول الرقمي لم يعد يقف عند حدود نقل الخدمة من الفرع إلى التطبيق.
فالمؤسسات المالية تتجه الآن إلى مرحلة أكثر تقدمًا، يصبح فيها الذكاء الاصطناعي جزءًا من طريقة اتخاذ القرار، وتحليل البيانات، واكتشاف المخاطر، وتقديم الخدمات للعملاء.
ويبرز في هذا السياق مفهوم الذكاء الاصطناعي الوكيل (Agentic AI)، الذي يتجاوز فكرة الأدوات التي تجيب عن الأسئلة أو تنفذ تعليمات محددة، إلى أنظمة قادرة على تحليل المعلومات واتخاذ سلسلة من الإجراءات بصورة أكثر استقلالية، ضمن ضوابط ومعايير محددة.
وهذا التحول يفتح بابًا واسعًا أمام المؤسسات المالية لإعادة التفكير في تجربة العميل، وأتمتة العمليات، وتحسين سرعة الاستجابة، لكنه في الوقت نفسه يفرض أسئلة أكثر أهمية تتعلق بالحوكمة، وحماية البيانات، وأمن الأنظمة، والمسؤولية عن القرارات التي تنتجها هذه التقنيات.
المدفوعات الفورية.. عندما تصبح السرعة جزءًا من الخدمة
في عالم المدفوعات، أصبحت السرعة عنصرًا أساسيًا في تجربة المستخدم.
فالمستخدم الذي اعتاد إنجاز معاملاته خلال ثوانٍ، لم يعد ينظر إلى الدفع الفوري باعتباره ميزة إضافية، بل أصبح يتوقع أن تكون الخدمة متاحة بسهولة وسرعة وموثوقية، بغض النظر عن المكان أو الوقت.
ولهذا تحظى المدفوعات الفورية (Real-Time Payments) باهتمام متزايد، ليس باعتبارها تقنية لتحويل الأموال فقط، وإنما باعتبارها بنية تحتية يمكن أن تُبنى عليها مجموعة واسعة من الخدمات المالية الرقمية.
وهنا تتقاطع أهمية البنية التحتية التقنية مع تجربة المستخدم؛ فكلما كانت الأنظمة أكثر كفاءة وترابطًا وأمانًا، أصبح بالإمكان تطوير خدمات أكثر سرعة ومرونة.
مستقبل مفتوح للخدمات المصرفية
ومن بين الملفات التي تحضر بقوة في نقاشات التقنية المالية اليوم الخدمات المصرفية المفتوحة (Open Banking) ومنصات الخدمات المصرفية، التي تعيد رسم الحدود التقليدية بين المصارف وشركات التقنية ومقدمي الخدمات المالية.
الفكرة الأساسية لم تعد أن يقدم كل طرف خدماته بمعزل عن الآخر، وإنما بناء منظومة تستطيع فيها الأنظمة المختلفة التواصل وتبادل البيانات والخدمات، وفق أطر تنظيمية وتقنية واضحة.
وفي هذا السياق، يصبح نجاح التحول الرقمي مرتبطًا ليس بالتطبيقات وحدها، وإنما بقدرة البنية التحتية على التكامل، وبناء بيئة تسمح بتطوير خدمات جديدة دون التضحية بالأمان والخصوصية.
اليورو الرقمي.. تطور يتجاوز أوروبا
ويحضر اليورو الرقمي (Digital Euro) كذلك ضمن الملفات التي تعكس الاتجاه العالمي نحو إعادة التفكير في طبيعة النقود والمدفوعات.
ورغم ارتباط المشروع بالسوق الأوروبية، فإن النقاش حوله يتجاوز حدود منطقة اليورو؛ لأنه يطرح أسئلة تتعلق بمستقبل المدفوعات الرقمية، ودور البنوك المركزية، وكيف يمكن أن تتغير العلاقة بين النقد التقليدي والبنى الرقمية الجديدة.
ومثل هذه التحولات مهمة للأسواق الأخرى، ليس بالضرورة لتكرار التجربة نفسها، وإنما لفهم الاتجاه الذي يسير فيه العالم والاستعداد لما قد تفرضه هذه التطورات مستقبلًا.
كلما تطورت التقنية.. تطورت الجريمة أيضًا
لكن الجانب الآخر من هذا التطور لا يقل أهمية.
فزيادة الاعتماد على الخدمات الرقمية تعني أيضًا ظهور مخاطر جديدة، وتطور أساليب الاحتيال والجرائم المالية، وهو ما يجعل مكافحة الجرائم المالية (Financial Crime Prevention) جزءًا أساسيًا من أي استراتيجية للتحول الرقمي.
ومن هنا تتزايد أهمية تقنيات RegTech، التي توظف التكنولوجيا لمساعدة المؤسسات على الالتزام بالمتطلبات التنظيمية، ومراقبة العمليات، واكتشاف الأنماط غير الطبيعية، وتحسين قدرتها على التعامل مع المخاطر.
وبالتالي، فإن مستقبل المدفوعات الرقمية لا يتعلق فقط بمن يستطيع بناء أسرع نظام، بل بمن يستطيع بناء نظام سريع وآمن وموثوق وقابل للرقابة في الوقت نفسه.
لماذا يهم ذلك ليبيا؟
قد تبدو هذه النقاشات للوهلة الأولى مرتبطة بأسواق مالية متقدمة وبمراكز مالية عالمية مثل فرانكفورت، لكنها في الواقع تحمل أهمية مباشرة لأي سوق يتجه نحو توسيع استخدام الخدمات المالية الرقمية.
وفي ليبيا، يتزايد الاعتماد على المدفوعات الإلكترونية والخدمات المصرفية الرقمية، وتتوسع البنية التحتية التي تتيح للأفراد والتجار والمؤسسات إنجاز معاملاتهم بصورة إلكترونية.
وهذا يجعل متابعة ما يحدث عالميًا أمرًا يتجاوز الاطلاع أو المشاركة في المؤتمرات؛ فالتطورات العالمية تمنح شركات التقنية المالية فرصة لفهم ما قد يحتاجه السوق مستقبلًا، وما المخاطر التي ينبغي الاستعداد لها، وما الحلول التي يمكن تكييفها مع البيئة المحلية.
ومن هذا المنطلق، فإن حضور مسارات في FinTech Week & Expo 2026 يمثل مساحة للتعرف على التجارب الدولية، ومتابعة التقنيات الناشئة، وفهم الاتجاهات التي تتحرك نحوها الصناعة، وفتح المجال أمام تبادل الخبرات واستكشاف فرص التعاون.
التقنية لا تُنقل كما هي
لكن الاستفادة من التجارب العالمية لا تعني بالضرورة نقلها كما هي إلى السوق المحلي.
فلكل سوق خصائصه، ولكل مجتمع احتياجاته، ولكل منظومة مالية وتشريعية تحدياتها الخاصة.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام شركات التقنية المالية لا يتمثل في معرفة ما يحدث في العالم فقط، بل في القدرة على ترجمة هذه التطورات إلى حلول تناسب الواقع المحلي، وتجمع بين سهولة الاستخدام والأمان والكفاءة، وتراعي احتياجات المستخدم والمؤسسة والجهات التنظيمية في الوقت نفسه.
وهنا تحديدًا تصبح المشاركة في المحافل الدولية ذات قيمة أكبر؛ لأنها تتيح النظر إلى السوق المحلي من زاوية أوسع، ومقارنة التجربة المحلية بما يحدث في الأسواق الأخرى، ثم اختيار ما يمكن أن يكون قابلًا للتطبيق والتطوير.
من فرانكفورت إلى السوق الليبي
المستقبل المالي لن يُبنى بتقنية واحدة، ولن تحدده شركة واحدة أو مؤتمر واحد.
إنه نتاج تراكم مستمر في الذكاء الاصطناعي، والمدفوعات الفورية، والأمن السيبراني، والأنظمة المصرفية المفتوحة، والتنظيم الرقمي، وغيرها من التقنيات التي تتقاطع لتشكّل منظومة مالية أكثر ترابطًا.
وبالنسبة لمسارات، فإن مواكبة هذه التحولات ليست مجرد حضور في فعالية دولية، بل جزء من رؤية أوسع تقوم على متابعة ما يحدث في صناعة التقنية المالية عالميًا، والاستفادة من المعرفة والخبرات المتاحة، ثم تحويلها إلى قيمة يمكن أن تصل في النهاية إلى المستخدم الليبي.
ففي عالم تتغير فيه طريقة تقديم الخدمات المالية بسرعة، لم يعد السؤال فقط: ما التقنية الجديدة؟
بل أصبح السؤال الأهم:
كيف يمكن توظيفها بصورة صحيحة، وآمنة، وملائمة للسوق الذي نعمل فيه؟
وهذه هي المسافة التي ينبغي أن تقطعها التقنية المالية من فرانكفورت إلى ليبيا:
من معرفة ما يحدث في العالم إلى صناعة ما يحتاجه السوق المحلي.



اترك تعليقاً